الشيخ محمد علي الأراكي

86

كتاب الطهارة

فإن قلت : نعم ، ولكن الدم الأوّل حين وجوده لم يكن له معارض ، وبعد حصول معارضه خرج عن المبتلائية للمكلَّف ، ولازم ذلك أن تكون أصالة الطهارة في كل منهما جاريا لمسبوقيتهما بالطهر ، فيلزم الحكم بعدم حيضية شيء منهما . وأمّا الترجيح بالسبق الزماني فهو فاسد : ووجه فساده أنّ الحاكم إنّما يعلَّق الحكم بالموضوع في لحاظه ، ولا يخفى أنّه لا تقدّم ولا تأخّر في عالم لحاظه بين المتقدم الزماني والمتأخّر الزماني ، بل هما ملحوظان معا في عرض واحد ، فإذا لم يمكن شمول العموم لكلا الفردين فترجيحه أحدهما بإدخاله في العموم دون الآخر ترجيح بلا مرجّح . وإذن فيتحصّل عدم إمكان إجراء القاعدة في شيء من الدمين . نعم لا يمكن بعد ذلك الحكم بالطهارة في الجميع ، والرجوع بعد تساقط الفردين من القاعدة بالمعارضة ، إلى أصالة الطهر الجارية في كل منهما لمسبوقيته بالطهر ، لأنّ العلم الإجمالي حاصل بحيضية أحدهما ، فإنّ القاعدتين مأخوذتان في حكم ثالث منتزع من مجموعهما ، وهو عدم كون كلا الدمين طهرا ، وإذن فتقع المعارضة بين الأصلين المذكورين أيضا ، مثل القاعدتين ويجري فيهما الكلام فيهما . لا يقال : حين وجود الأوّل كان الثاني معدوما ، وحين وجود الثاني صار الأوّل معدوما ، ففي كل حال يكون أحدهما خارجا عن محل الابتلاء ، والعلم الإجمالي أيضا حاصل بعد الخروج ، فإنّه إنّما يحصل بعد رؤية الدم الثاني بعد إجراء قاعدة الإمكان في الأوّل بحسب الظاهر ، ثمّ انكشف بطلانه وكونه مجرى للأصل ، ولكن هذا الأصل في الزمان المتأخّر ليس له أثر حتى يعارض الأصل الجاري في الدم الثاني ، فهذا نظير خروج أحد الإناءين عن محل الابتلاء قبل العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما ، فإنّه لا مانع من إجراء الأصل في الآخر ، ثمّ بعد استعمال الثاني لو دخل